آخر الأخبار

الترفيق والترسيم في ديرالزور …. المستفيد والمتضرر

نهر ميديا – تحقيق

على أطراف نهر الفرات بالقرب من بلدة الشحيل بريف ديرالزور الشرقي، يجلس التاجر أبو محمد ممسكاً بملف ورقي مجدول، يحوي أنواع البضائع والكميات التي تحملها سيارته، التي سوف تعبر إلى مناطق سيطرة النظام بعد قليل.

أبو محمد لا تشغله الضوضاء المحيطة به عن امساك آلته الحاسبة ودفتره الورقي، لمعرفة المبلغ المالي المتوجب عليه دفعه بمجرد وصوله إلى الضفة الثانية للنهر، حيث تفرض قوات النظام وحواجزه رسوم ترفيق وترسيم جمركي على البضائع والتجار.

الترسيم والترفيق، لا يقتصر فرضه على البضائع والتجار العابرين من مناطق سيطرة قوات “قسد” إلى مناطق النظام، بل يفرض على الحركة التجارية بين مناطق سيطرة النظام نفسها وبأسعار محددة لكل نوع من أنواع البضائع.

انهماك أبو محمد بعملياته الحسابية، يقاطعه صوت صاحب العبّارة التي سوف تقل سيارته عبر النهر ” يالله أبو محمد صار دورك”، يتمتم أبو محمد ببعض الكلمات لعل أبرزها مقولته المعتادة “استعنا على الشقا بالله”.

الترسيم والترفيق

لا يقتصر النهب الذي يمارسه عناصر نقاط التفتيش والحواجز في ديرالزور على فرض إتاوات عشوائية على العابرين، بل اقتضت مصالح الجهات المتصارعة عسكرياً فتح معابر محددة في مناطق التّماس للتبادل التجاري، وأصبحت هذه المعابر مصدراً لجني الأموال الطائلة على حساب السكان، من خلال فرض رسوم مرتفعة على البضائع التي يتم نقلها من منطقة إلى أخرى، عبر آلية تشبه عمل السلطات الجمركية التي تفرض الرسوم المالية على حركة البضائع عبر حدود الدول والمعروف محلياً بالترسيم.

كما فرض الواقع الأمني السيء وكثرة المجموعات العسكرية في المحافظة، وتخوف التجار من سرقة حمولاتهم التجارية أثناء نقلها بين أجزاء المحافظة أو خارجها، إلى بروز عمليات الترفيق التي تقوم بها مجموعات عسكرية ترافق الحمولات التجارية وتشرف على تأمين وصولها إلى وجهتها، مقابل دفع صاحب الحمولة مبالغ مالية طائلة للجهة المسؤولة عن الترفيق.

لم يكن الترفيق في محافظة ديرالزور وليد الأزمة الحالية ما بعد انطلاق الثورة السورية، بل مارسه فرع الأمن العسكري ما قبل عام 2011، عبر دورياته المنتشرة على الطرق التجارية الرئيسية، والمفارز الحدودية، لحماية قوافل التجار والمهربين على حد سواء.

فبحسب أحد عناصر المخابرات العسكرية بديرالزور آنذاك، كان على اللواء جامع جامع، الذي تولى رئاسة فرع الأمن العسكري عام 2008، وكان يعد من رجال ماهر الأسد، أرسال مبالغ مالية محددة عن كل مفرزة حدودية إلى مكتب الفرقة الرابعة وكانت المبالغ محددة بي 50 مليون ليرة عن مفارز البوكمال، و30 مليون عن مفارز الميادين شهرياً.

جامع جامع

لكن منذ العام 2013، زاحمت مجموعات عسكرية وشبه عسكرية مديرية الجمارك في ممارسة الترفيق والترسيم، ليتطور فيما بعد إلى وجود شركات أمنية خاصة بالترقيق، ما فتح باب الخلافات ومحاولة كل طرف السيطرة على تلك العمليات، التي تعتبر مصدر تمويل كبير للجهة التي تُسيطر عليها.

مبالغ الترسيم والترفيق

سيطرة قوات النظام على مناطق ديرالزور الواقعة غرب نهر الفرات بعد طرد تنظيم الدولة منها نهاية عام 2017، وكذلك قسد على القسم الواقع شرق الفرات، حيث تم فتح العديد من المعابر التجارية بين الطريفين جميعها معابر نهرية عبر الفرات، مثل معبر الشحيل ومعبر الصالحية شرق ديرالزور ومعبر الحوايج في الريف الغربي.

معبر الشحيل

في بداية عام 2018 أصبحت الحركة أكثر انتظاماً بين مناطق سيطرة الطرفين. ويتم تحصيل الرسوم من قبل المشرفين على المعابر في الاتّجاهين، أي أن كلا الطرفين يفرضان رسوماً على البضائع الداخلة إلى مناطقهما وكذلك الخارجة منها، غير أنه لم يكن هناك تعريفات دقيقة ومحددة من قسد أو قوّات النظام على البضائع التي يتم نقلها عبر الجانبين في البداية.

أحمد تاجر ألبسة مستعملة تحدث لنهر ميديا، “بأن بداية فتح المعابر بين الطرفين لم تكن هناك رسوم محددة، ففي عام 2018 أدخلت شحنة أحذية وألبسة بالة تزن 8 أطنان وفرضت رسوم بمقدار 15 ألف ليرة للطن الواحد، وبعدها بأيام أدخلت شحنة أخرى وتم تقاضي مبلغ 10 آلاف ليرة للطن الواحد”.

مع نهاية عام 2018 بدأت عمليات الترسيم والترفيق تأخذ شكلاً أكثر وضوح وباتت محددة من حيث السعر للبضائع والآليات، حيث تحرر قسد إيصالات بالمبالغ التي تتقاضاها عن العملية بخلاف النظام، الذي يقيد المبالغ في سجلاته الرسمية لكنه لا يعطي إيصالات رسمية بها إلا ما ندر.

ويلاحظ عن كلاً من النظام وقسد يفرضان رسوماً أقل على البضائع الداخلة إلى مناطق سيطرتهما قياساً بالبضائع الخارجة، وذلك بسبب حاجة كل طرف إلى تشجيع عبور البضائع والسلع نحو مناطق نفوذه.

وتمكنت نهر ميديا، من الحصول على قائمة بالتسعيرات الخاصة بالترسيم داخل مناطق النظام، وأخرى خاصة بالمواد الداخلة من مناطق قسد عبر المعابر التجارية بين الطرفين.

الفرقة الرابعة مُسيطرة

تُعتبر الفرقة الرابعة التابعة لجيش النظام، هي الجهة المسيطرة على أغلب المعابر والحواجز داخل محافظة ديرالزور، وهي أكثر الجهات الفاعلة في مسألة تحصيل مبالغ الترسيم والترفيق.

الفرقة الرابعة لا تكتفي في الاعتماد على الحواجز التابعة لها، بل تقوم بتكليف جهات مساعدة تتبع لها بشكل مباشر مثل الدفاع الوطني وفرع الأمن العسكري، مقابل حصول تلك الجهات على نسبة من المبالغ المحصلة.

وقد تمكّنت الفرقة من تحقيق هذه الهيمنة بفضل نشرها حواجز على الطرق الرئيسية والمعابر الحيوية داخل ديرالزور، خاصة تلك التي تربطها بمناطق قسد وأخرى على مداخل المحافظة الرئيسية مثل البانوراما وحواجز مدينة معدان من جهة محافظة الرقة، إضافة لحواجزها بالقرب من البوكمال.

حاجز البانوراما

ويتولى مكتب أمن الفرقة تحديد قيمة عقد الترسيم الخاص بكلّ معبر استناداً إلى الحركة التجارية للمنطقة ثم يمنح المكتب العقد لوسطاء كبار مقرّبين منه، ممن لديهم باع في عمليات التهريب، أو هم من كبار التجار، نظراً إلى أنهم الأقدر على إدارة هذا النشاط، بفضل شبكة علاقاتهم بمختلف أطراف الصراع، وخبرتهم في إدارة الأعمال التجارية.

شركات أمنية خاصة

قد تنفرد الفرقة الرابعة في قضايا الترسيم لكنها تتشارك مع عدد كبير من المليشيات الأخرى في ديرالزور بعمليات الترفيق، منها المليشيات الموالية لإيران كحركة النجباء ولواء الباقر ومنها ما هو على شكل شركات أمنية بدأت تظهر في الفترات الأخيرة، تعمل على مرافقة الحمولات التجارية وحمايتها مقابل مبالغ مالية معينة.

وتعمل على أراضي محافظة ديرالزور ثلاث شركات أمنية للترفيق، هي العرين والهارون والقلعة أبرز تلك الشركات، والتي يتواجد لها حواجز داخل بلدة الهري على الحدود السورية العراقية ومكتب في بلدة بقرص.

شركة القلعة _ بلدة بقرص بريف ديرالزور الشرقي

وتقوم آلية عمل الشركات الأمنية على خروج عناصر من الشركة بمعدل عنصر لكل سيارة، مهمته مرافقتها وتخليص عمليات مرور البضائع ضمن الحواجز الداخلية في المحافظة، بعد عمليات التخليص الداخلية ووصول البضائع إلى حاجز البانوراما أو معدان، تقوم آليات عسكرية تابعة للشركة بمرافقتها حتى تصل وجهتها.

سيارة حماية تابعة لشركة القلعة

وتختلف أسعار الترفيق داخل الشركة وترتبط بنوع البضاعة وحجمها، وتبدأ من 100 ألف وحتى المليون ليرة سورية للبضائع من ديرالزور إلى محافظات أخرى، وتصرف الشركة لموظفيها بدل شهري وحوافز إضافة لبدل سفر للرحلة الواحدة.

جميع شركات الأمن الخاصة تتبع لوزارة الداخلية في منطقة كفرسوسة، ضمن فرع شركات الحماية الخاصة في الوزارة والذي تأسس عام 2013 بموجب المرسوم 55، سجلات العام 2019 للشركات العاملة بدمشق، تشير إلى أن 78 شركة أمنية خاصة مرخصة تعمل في سورية.

وليس لهذه الشركات سجلات حقيقية لدى التأمينات الاجتماعية، ومن أصل 300 موظف لكل شركة موافق عليهم من وزارة الداخلية، فإن من هم مسجلين في التأمينات الاجتماعية، يتراوح لكل شركة بين 12 و42 موظفاً.

خلافات

تشهد محافظة ديرالزور خلافات مستمرة بين المليشيات العسكرية المُسيطرة، سبب هذه الخلافات هو قضايا الترفيق والترسيم، حيث يسعى كل طرف للحصول على ميزات إضافية والحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال الناتجة عنها.

ففي شهر شباط الماضي، أغلقت الفرقة الرابعة طريق البوكمال ديرالزور لمدة أسبوعين، نتيجة خلافات مع الحشد الشعبي على المردود المادي لعمليات الترسيم، لكن الخلاف انتهى بفتح الطريق والاتفاق بين الطرفين على اقتسام عائدات الترسيم والترفيق بينهما.

كما أجبرت مليشيا “سيد الشهداء” الفرقة الرابعة والحشد الشعبي من تخصص مبالغ لها من عائدات الترسيم، بعد أن هددت بوقف عمليات مرور البضائع التجارية عبر حواجزها في مدينة البوكمال قبل مدة.

مراسل نهر ميديا أكد “أن الخلافات بين المليشيات أمر متكرر الحصول، لكنه ينتهي دائما عبر حلول المشاركة في عائدات الترفيق والترسيم”.

سيارات تحمل المواد التجارية متوقفة على حاجز للفرقة الرابعة جنوب ديرالزور

السكان والتجار هم المتضرر

يشتكي التجار تأخّر وصول بضائعهم في كثير من الأحيان، نتيجة نظام الدور المُتّبع في المعابر والوقت الذي تستغرقه عمليات التفتيش الدقيق والتحميل والتفريغ المتكرر، بالإضافة إلى ارتفاع قيمة الترسيم والترفيق. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه كثيراً ما تتم سرقة جزء من البضائع أثناء عملية التفتيش من قبل عناصر الحواجز.

ويقوم التجار برفع أسعار البضائع لتغطية المبالغ الإضافية التي يدفعونها للجهات المسيطرة على المعابر، ولتغطية الخسائر التي تلحق بهم نتيجة دفع الرسوم والاتاوة، ما يتسبب بوصول المنتج إلى المستهلك بأسعار مضاعفة، تمنعه غالبا من شرائها وزيادة التضييق المعيشي عليه في ظل الواقع الاقتصادي المتردي.

أبو محمد وصل إلى دمشق مع بضاعته، بعد 11 يوماُ من رحلته التي بدأت على شاطئ الفرات في بلدة الشحيل، يخاطب الجالسين معه بصوت خافت، “يلي صرفته على البضاعة لتوصل أكثر من حقها، قديش بدي بيعها لعوض المصاريف، خايف يجي يوم تنفرض رسوم على هواء رب العالمين……. “.

بإمكانك البحث أيضاً عن،

من الأرشيف

ماذا عن العائدين من مخيم الهول؟

نهر ميديا كَثُرت -في أوقات سابقة- الأصوات المنادية بإخراج العوائل المحتجزة في مخيم الهول، وارتفع …