آخر الأخبار

الأهداف غير المعلنة للتحركات الروسية الأخيرة

نهرميديانشوان الصالح

زار وفد روسي رفيع المستوى، العاصمة السورية دمشق في السابع من أيلول/سبتمبر الجاري، وضم الوفد وزير الخارجية سيرغي لافروف بعد غيابه ثمان سنوات عن دمشق، ويوري بوريسوف نائب رئيس الوزراء، وممثل الرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف. ولا تزال الأهداف الحقيقية لهذه الزيارة مبهمة، وتشغل مراكز الدراسات وأوراق تحليل السياسات. سنحاول في هذه الورقة تتبع الأهداف غير المعلنة لهذه الزيارة، من خلال متغيرات طرأت على الأرض السورية قُبيل الزيارة وبعدها.

ما قبل زيارة الوفد الروسي:

في أواخر شهر آب/أغسطس الفائت، رعت روسيا مباحثات بين “مجلس سوريا الديمقراطي” (مسد) الذراع السياسي لـ “الإدارة الذاتية” برئاسة إلهام أحمد، وحزب “الإرادة الشعبية” بقيادة قدري جميل، نتج عنها توقيع مذكرة تفاهم تعترف فيها “الإدارة الذاتية” بأن “الجيش السوري هو المؤسسة الوطنية العامة التي ينحصر بها حمل السلاح”، مقابل اعتراف حزب “الإرادة الشعبية” الذي يمثل منصة موسكو، بأن “الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا ضرورة موضوعية وحاجة مجتمعية”.

ينطوي هذا الاتفاق على إدخال الإدارة الذاتية في مسار مفاوضات أستانة واللجنة الدستورية المنبثقة عنها، من خلال منصة موسكو التي يترأسها قدري جميل، الأمر الذي يشكل مكسباً كبيراً لمجلس سوريا الديمقراطي، فيما لم يتبين بعد المقابل الذي قدمته الإدارة الذاتية ثمناً له.

زيارة الوفد الروسي والمؤتمر الصحفي:

قُبيل وصول الوفد الروسي إلى دمشق، قالت مصادر دبلوماسية غربية لوسائل إعلام متعددة أن أهداف الزيارة اقتصادية، إضافة إلى مكافحة الإرهاب ومناقشة عمل اللجنة الدستورية وبحث ملف مناطق شرق الفرات، لكن وزير خارجية النظام وليد المعلم، أكد خلال المؤتمر الصحفي مع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في سوريا بموعدها بغض النظر عن مسار مفاوضات اللجنة الدستورية، وبذلك أخرج موضوع اللجنة الدستورية من أهداف الزيارة. لافروف من جهته أكد أن الانتخابات الرئاسية شأن داخلي سوري، وأضاف «من المستحيل وضع برنامج زمني فيما يخص عمل اللجنة الدستورية، زيارتنا الحالية مكرسة لمناقشة الآفاق المستقبلية لتطوير العلاقات السورية الروسية».

لم يرتجل لافروف، المعروف بصلافته، رداً على استحياء، على العكس عبر بوضوح وثقة عما تريده روسيا ” الآفاق المستقبلية لتطوير العلاقات السورية الروسية”، فالإدارة الروسية تدرك بأنه لا حلول سياسية قريبة في سوريا، وأن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات رئاسية قد تغير نتائجها قواعد اللعبة في سوريا، وعليهم توفير الأسباب الموضوعية للبقاء فيها على المدى الطويل، ومن أجل ذلك لا بد من تغطية نفقات القوات الروسية هناك، وترميم اقتصاد النظام بما يؤمن استمراره إلى حين نضوج الحل السياسي، أو تمييعه.

تحركات عسكرية روسية على الأرض قبل الزيارة وبعدها:

بالتزامن مع توقيع مذكرة التفاهم في موسكو 31 آب/ أغسطس، توجه وفد عسكري روسي إلى الحدود السورية العراقية، ثم توجه وفد آخر للمحطة الثانية (T2) التي يتمركز فيها حزب الله اللبناني في الخامس من أيلول/سبتمبر، ثم شهدت المنطقة الممتدة بين المحطة الثانية والحدود السورية العراقية وصول غرف روسية مسبقة الصنع، تستخدمها روسيا لإنشاء نقاط مراقبة وحماية، فيما لا يزال “الحشد الشعبي العراقي” مسيطراً على الحدود.

وفي محور آخر، شهد شاطئ نهر الفرات في منطقة الميادين إعادة انتشار للمليشيات والمجموعات المسلحة بإشراف الفرقة الرابعة، ثم فتح معبر بقرص – الشحيل في الثاني من أيلول، وشوهدت صهاريج تنقل النفط ومشتقاته، من مناطق سيطرة “قسد” إلى مناطق سيطرة النظام، كما تم رصد شاحنات تحمل محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير، تعبر نهر الفرات باتجاه مناطق النظام من ذات المعبر.

في الخامس والعشرين من آب/أغسطس، أعلنت القوات الروسية عن حملة “الصحراء البيضاء” لتمشيط البادية السورية، وفي الثامن من أيلول، شنت بالتعاون مع قوات النظام والمليشيات الرديفة لها، هجوماً عنيفاً استهدف جيوب تنظيم “داعش” في بادية السخنة بما فيها منطقة المحطة الثالثة (T3)، ضمن حملة الصحراء البيضاء، ثم تلتها حملات تمشيط كثيرة استهدفت البادية الممتدة من حمص حتى نهر الفرات، كان آخرها في 18 أيلول/سبتمبر، حملة شارك فيها “الحرس الجمهوري” واستهدفت جبل البشري والبادية المحيطة به، إضافة للبادية الجنوبية لدير الزور.

الغرض من التحركات العسكرية الروسية:

تحتاج روسيا للنفط في سوريا لثلاثة أسباب: 1- تغطية أكبر قدر من مصاريف قواتها، 2- حل أزمة المحروقات التي يعانيها النظام وتُعطّل مصالحها بشكل جزئي، 3- ترميم اقتصاد النظام المتهالك. وفي سبيل ذلك يبدو أنها تسعى لتأمين النفط باتجاهين:

  1. استيراد المشتقات النفطية من مناطق الإدارة الذاتية، كحل مؤقت، بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية، مقابل وضع مجلس سوريا الديمقراطي على لائحة المفاوضين عبر منصة موسكو، وهذا ما قد يكون حصل على خلفية توقيع مذكرة التفاهم بين قدري جميل وإلهام أحمد، إذ دخلت صهاريج محملة بالمازوت، عبر معبر بقرص – الشحيل بعد يومين فقط من توقيع الاتفاق. والجدير بالذكر هنا أن قسد وضعت قبل أيام من الاتفاق نقاط مراقبة ثابتة بالقرب من نهر الفرات في بلدة الشحيل لمراقبة المعابر، مما يوحي بأن مرور المحروقات تم فعلاً باتفاق على مستوى الإدارة الذاتية وموسكو. وتدفع روسيا في هذا الاتجاه بقوات النظام كالفرقة الرابعة والمخابرات العسكرية، وتجاره من أمثال القاطرجي، كي تبقى بعيدة عن عقوبات قانون قيصر.
  2. تسعى روسيا على المدى الطويل لتشغيل خط النفط الرئيسي في سوريا، الخط الذي يتصل بالعراق ويبدأ بمحطة (T1) في الأراضي العراقية، ثم محطة الـ (T2) في الأراضي السورية والقريبة من الحدود العراقية، ثم محطة الـ (T3) القريبة من السخنة شمال شرق تدمر، ثم محطة الـ (T4) في البادية بين حمص وتدمر، والقريبة من مطار الـ (T4) العسكري، ومنها إلى مصفاة حمص وميناء طرطوس ومصفاة بانياس. يتم تجميع النفط المستخرج من آبار دير الزور في محطة الـ (T2) التي تضخه باتجاه مصافي النفط وميناء طرطوس عبر محطتي (T3 وT4)، ولهذا الخط القدرة على استيعاب النفط العراقي القادم من محطة الـ (T1) العراق.

قد تعتمد روسيا على الآبار الموجودة في الضفة الغربية لنهر الفرات التي يسيطر عليها النظام، مثل حقل الورد وحقل التيم، وقد تستجر نفط من العراق بطريقة غير مُعلنة، بالتعاون مع الحشد الشعبي المسيطر على حدود وغرب العراق، لكنها قد تحصل على النفط من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات، لقاء تفاهمات أكبر بين موسكو والإدارة الذاتية، تفاهمات قد تتضمن اعتراف روسيا بسلطة الإدارة الذاتية شرقي الفرات في مفاوضات الحل السياسي لسوريا، وهذا يتسق مع ما يريده جو بايدن المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية؛ في حال نجاحه.

ولا يختلف الأمر على روسيا بما يتعلق بنفط شرق الفرات، في حال فوز دونالد ترامب غير المهتم بالوجود الأمريكي في سوريا ولا النفط السوري، والذي صرح في مؤتمر صحفي منذ عدة أيام بإمكانية إجراء مناقشات مع قوات سوريا الديمقراطية حول النفط، وأضاف “سنرى كيف سينتهي ذلك، ثم نغادر”. ومن هنا فإن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا سيرفع الغطاء عن الإدارة الذاتية ما لم تكن متفقة مسبقاً مع روسيا.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا منذ عهد الرئيس أوباما، تقوم على ضمان المصالح الأميركية الكبرى بالحد الأدنى من التدخل المباشر، والسماح لروسيا بالغرق أكثر في سوريا؛ الدولة المهلهلة، فإنه من الوارد جداً أن تحصل روسيا على نفط شرق الفرات دون عوائق أميركية.

ثمة هدف ٌ آخر تقصده روسيا من خلال حملات تمشيط البادية، حيث تسعى إلى تأمين خط الغاز الرئيسي في سوريا أيضاً، والذي ينطلق من محطة التجميع في حقل الخراطة عبر البادية إلى حمص، ويغذي معمل غاز حيان ومحطة جندر لتوليد الكهرباء.

يبقى أن نشير إلى العلاقة الروسية التركية، توترت نتيجة تفاهمات موسكو – “مسد”، لكن أثماناً قد يدفعها الروس شرق المتوسط وفي ليبيا، ووعود بسورية دولة مركزية، قد تكون كافية لإرضاء الحكومة التركية.

خلاصة:

أصبحت فاتورة الحرب التي دخلتها روسيا في سوريا منذ خمس سنوات باهظة جداً، وإذ قررت روسيا خوض هذه الحرب حتى النهاية، فلا بد لها من مصادر تمويل سريعة، ولأن التنقيب عن الغاز في المتوسط يحتاج سنوات حتى يأتي أُكله، فإن السيطرة على النفط السوري وإعادة الضخ والإنتاج، هو الحل الأنجع لسد الاحتياجات المحلية من المشتقات النفطية، وتأمين التمويل اللازم لاستمرار العمليات العسكرية، وبث الروح في جسد النظام.

بإمكانك البحث أيضاً عن،

للمرة الأولى حملة للمليشيات الإيرانية فقط على بادية دير الزور

نهرميديا-ديرالزور قال مراسل نهر ميديا إنّ مليشيات “أبو الفضل العباس”، “فوج السيدة زينب” و”فاطميون” بدأوا …